فخر الدين الرازي
172
تفسير الرازي
من الإتيان به لعلة من العلل إلا لعلة واحدة . البحث الثاني : قال الواحدي للمفسرين فيه قولان : القول الأول : أن قوله : * ( إلا أن يحاط بكم ) * معناه الهلاك قال مجاهد : إلا أن تموتوا كلكم فيكون ذلك عذراً عندي ، والعرب تقول أحيط بفلان إذا قرب هلاكه قال تعالى : * ( وأحيط بثمره ) * ( الكهف : 42 ) أي أصابه ما أهلكه . وقال تعالى : * ( وظنوا أنهم أحيط بهم ) * ( يونس : 22 ) وأصله أن من أحاط به العدو وانسدت عليه مسالك النجاة دنا هلاكه ، فقيل : لكل من هلك قد أحيط به . والقول الثاني : ما ذكره قتادة * ( إلا أن يحاط بكم ) * إلا أن تصيروا مغلوبين مقهورين ، فلا تقدرون على الرجوع . ثم قال تعالى : * ( فلما آتوه موثقهم قال الله على ما نقول وكيل ) * يريد شهيد ، لأن الشهيد وكيل بمعنى أنه موكول إليه هذا العهد فإن وفيتم به جازاكم بأحسن الجزاء ، وإن غدرتم فيه كافأكم بأعظم العقوبات . قوله تعالى * ( وَقَالَ يا بَنِىَّ لاَ تَدْخُلُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ وَمَآ أُغْنِى عَنكُمْ مِّنَ اللَّهِ مِن شَىْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ للَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ) * . اعلم أن أبناء يعقوب لما عزموا على الخروج إلى مصر . وكانوا موصوفين بالكمال والجمال وأبناء رجل واحد قال لهم : * ( لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة ) * وفيه قولان : الأول : وهو قول جمهور المفسرين أنه خاف من العين عليهم ولنا ههنا مقامان . المقام الأول : إثبات أن العين حق والذي يدل عليه وجوه : الأول : إطباق المتقدمين من المفسرين على أن المراد من هذه الآية ذلك . والثاني : ما روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعوذ الحسن والحسين فيقول : " أعيذ كما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة " ويقول هكذا كان يعوذ إبراهيم إسماعيل وإسحق صلوات الله عليهم . والثالث : ما روى عبادة بن الصامت قال : دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في أول النهار فرأيته شديد الوجع ثم